جان لوئيس بوركهارت
374
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
في عربية ركيكة . وأضحكنى كثيرا ما رواه عن أسفاره في أوروبا وعن مشاهداته في انجلتره وعن عادات أهلها ، وكله هراء ظاهر وتلفيق مكشوف . أما معاملتى على ظهر المركب فلست أرى فيها ما يدعو للشكوى إذا قارنتها بمعاملة غيرى من الركاب ، وقد نفحت الريس بريال من عندي - وكان رجلا من أهل جدة - فزاده هذا رغبة في توفير أسباب الراحة لي ، وكان الراكب من التجار يؤدى عن سفره ريالين . 13 يوليو - كانت الريح معتدلة ، فبلغنا خليج تاضه في الثانية صباحا مستعينين بالمجاذيف ، وكثيرا ما كنا نلجأ إليها . وكانت هناك قرية للأمرار ملاصقة للبر . ولم تعرف عن هؤلاء البدو الأمانة أو الذمة ، لذلك وقفنا على مسافة كبيرة من البر . وسبح بعض البحارة إليه ليتفقوا مع شيخهم على الإتاوة التي يؤديها المركب . وقد اضطررت - واضطر معي القبطان الرومي - إلى أداء نصف كيلة من الذرة فوق المبلغ المشروط ، بحجة أننا في خدمة الباشا ، وأننا لسنا عربا كالباقين . ثم رسونا على رمث صغير كان يسحب من البر بجانب المركب . وقد أحسن البدو الذين احتشدوا حولنا معاملتنا ، أو قل إنهم تركونا وشأننا دون مضايقة . وهم ينتمون إلى عشيرة كوباد من أمهات عشائر الأمرأر ، ويسكنون هنا في خيام من شعر الماعز الأسود كخيام عرب شبه الجزيرة . وجملة الخيام ثلاثون أو أربعون ، وخيمة الشيخ مضروبة إلى جوار قبر جده ، وكان رجلا جليل القدر بين قومه ، لذلك شيدوا له قبرا من الحجر . وفي المساء أقبلت القطعان الكثيرة من الإبل والغنم والماعز تعدو إلى البر لتشرب من عيون تنبع وسط الشجر بقرب البحر ، وعدد العيون ست ، وماؤها كلها زعاق فيما خلا واحدة . وصوف هذه الغنم قصير ردئ النوع ، أما شعر الماعز فطويل . وفي الجبل خزانات لمياه الأمطار ، ولكن البدو ألفوا ماء العيون ، لذلك لا يكلفون أنفسهم مشقة جلب الماء العذب من بعيد ، ويستحيل الشاطئ - غير بعيد من الآبار - صخريا جدا ، وتكسوه الأحجار الهشة الكبيرة ، ثم يرتفع فجأة صوب الجبل ، والصخور - على قدر ما أسعفنى النظر - كلها من الجرانيت